
جسرًا… لا سورًا
حوار: شيماء الشواربي
في زمن تتشابك فيه الرسائل الإعلامية، وتتزايد فيه تأثيرات الإعلام على الوعي والسلوك الجمعي، يصبح السؤال حول دور الإعلام أكثر إلحاحًا: هل هو جسر للحوار وبناء الثقة، أم سور يعمّق الانقسام؟
في هذا السياق، نحاور الدكتور عصام علي عبد السلام، أستاذ الإعلام المتخصص وخبير قضايا الإعلام والأزمات، للحديث عن تجربته المهنية، ومشروعه الفكري، ورؤيته لدور الإعلام في الرياضة، والأمن القومي، وإدارة الأزمات.
بدايةً، من هو د. عصام عبد السلام؟ وما أبرز محطات رحلتك المهنية والعلمية؟
أنا عصام علي عبد السلام، من مواليد القاهرة عام 1969، حاصل على درجة الدكتوراه في الإعلام الأمني من جامعة القاهرة. شغلت سابقًا منصب مدير عام بالمخابرات العامة المصرية، ولديّ ما يقرب من ثلاثين عامًا من الخبرة في العمل الأمني.
أعمل حاليًا محاضرًا في عدد من الجامعات المصرية والعربية، وأستاذًا للإعلام المتخصص وخبيرًا في قضايا الإعلام وإدارة الأزمات. تتنوع اهتماماتي البحثية بين الإعلام الرياضي ومسؤوليته الاجتماعية، ونبذ التعصب، وقضايا الأمن القومي والوعي العام.
صدرت لي عدة كتب، من بينها: الإعلام الرياضي بين المسؤولية الاجتماعية وإثارة الجماهير، تعصب ميديا، الإعلام والسياسة، التوثيق الإعلامي، الأمن القومي بين الإعلام والأمن، والإعلام العربي في مواجهة الأزمات. وأسعى من خلال عملي وكتاباتي إلى ترسيخ فكرة أن يكون الإعلام جسرًا لبناء الثقة والمشاركة المجتمعية، لا سورًا يعوق الحوار.
كتابك «تعصب ميديا» يلفت الانتباه من عنوانه… كيف يتناول دور الإعلام في تأجيج التعصب الرياضي؟
في تعصب ميديا لا أتعامل مع التعصب بوصفه مجرد انفعال عاطفي تجاه فريق أو دولة، بل أدرسه كظاهرة بنيوية داخل المنظومة الإعلامية الحديثة. الإعلام، التقليدي والرقمي، يملك أدوات قادرة على تأجيج هذا التعصب وتدويره، بما يؤثر مباشرة في سلوك الجمهور والرأي العام.
أناقش في الكتاب كيف تتحول الرياضة إلى ساحة صراع، من خلال بناء قصص خبرية تفتقر إلى التوازن، واستخدام لغة تصعيدية، وتعزيز الصور النمطية، فضلًا عن استغلال الرياضة لشحن الهويات الجمعية.
اعتمدت مقاربة تحليلية تطبيقية، شملت تحليل خطابات إعلامية، ورصد آليات التلاعب بالزمن الإعلامي، إلى جانب أمثلة حية من تغطيات رياضية محلية وعالمية، توضح كيف يصبح التعصب أحيانًا معيارًا زائفًا للمصداقية. والهدف في النهاية هو تعزيز خطاب إعلامي يربط الرياضة بالقيم الإنسانية المشتركة بدلًا من تحويلها إلى أداة للانقسام.
من الرياضة إلى ملف أكثر حساسية… كيف عالجت في كتابك «الأمن القومي بين الإعلام والوعي» العلاقة بين الإعلام والأمن؟
الأمن القومي ليس مفهومًا عسكريًا بحتًا، بل بنية اجتماعية وثقافية تتأثر بدرجة كبيرة بما يُقدَّم إعلاميًا. في هذا الكتاب حاولت تقديم إطار يوازن بين دور الإعلام في رفع الوعي العام، وبين مخاطر التلاعب بالمعلومات وتأثيره في تشكيل تصور الجمهور عن التهديدات والمخاطر.
انطلقت الفكرة من رصد تأثير الأخبار والتحليلات الأمنية على الوعي الجمعي، ثم تطورت إلى معالجة تحليلية تقوم على ثلاث زوايا:
الأولى معلوماتية، تتعلق بدقة المعطيات وشفافيتها.
والثانية اجتماعية، تركز على تأثير الرسائل الإعلامية في الثقة بين الجمهور والمؤسسات.
أما الثالثة فهي إجرائية، وتتناول مسؤولية الإعلام في تغطية القضايا الحساسة دون تهويل أو قفز إلى استنتاجات غير مدعومة.
الكتاب يقدّم أدوات نقدية ومبادئ عملية للصحافة الأمنية، ويؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا في تعزيز الأمن، شرط الالتزام بالمهنية والحياد.
في كتابك «الإعلام العربي في مواجهة الأزمات» توسّع الدائرة لتشمل الواقع العربي… هل ترى أن الأزمات متشابهة في مجملها؟
إلى حدٍّ كبير، هناك تشابه في طبيعة التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، مثل هشاشة البيانات، وتحديات الشفافية، والتعامل مع التنوع الثقافي والمذهبي. لكن يبقى لكل دولة سياقها الخاص في إدارة الأزمات إعلاميًا.
الكتاب لا يكتفي بسرد الأزمات، بل يسعى إلى تقديم إطار عملي لتحويل الإعلام من ناقل للحدث إلى جسر تواصل فاعل بين المؤسسات والجمهور. أطرح نماذج للتغطية المهنية القائمة على الشفافية والتحديث المستمر للمعلومات، وإشراك الخبراء، وتقديم شرح مبسّط دون تهويل أو تقليل.
الرسالة الأساسية هي أن الإعلام، حين يلتزم بالمعايير الأخلاقية والمهنية، يستطيع أن يعزز الوعي والمشاركة المدنية، وأن يكون أداة للحل لا جزءًا من المشكلة.
كلمة أخيرة
في ختام هذا الحوار، يؤكد الدكتور عصام عبد السلام أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن الإعلام يظل أحد أهم أدوات تشكيلها. وبين أن يكون الإعلام «جسرًا» أو «سورًا»، يبقى الخيار مرهونًا بمهنية القائمين عليه، ووعي الجمهور بدوره وحدوده.