اكتشفثقافة وفنوندنيا الكتبمعرض الكتاب

كنوز لا تفنى… تلك هي مصر

حوار: شيماء الشواربي

اليوم أحاور كاتبًا مختلفًا؛ فهو الفيلسوف والمؤرخ الموثّق، والمتبحّر في تاريخ مصر وتراثها الطبيعي، الدكتور إبراهيم عبد العزيز، دكتور العلوم الطبيعية والتراث البيولوجي.
أهلًا بحضرتك، وبادئ ذي بدء نودّ أن نتعرّف إلى الدكتور إبراهيم عبد العزيز في سطور.


أهلًا بكِ.
بصفتي الدكتور إبراهيم عبد العزيز، يمكنني تلخيص مسيرتي في السطور التالية:
أنا باحث ومؤلف مصري متخصص في العلوم الطبيعية وتوثيق التراث البيولوجي والتاريخ الطبيعي لمصر. حصلت على درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم من جامعة القاهرة، وكرّست جهدي لنقل المعرفة العلمية والبيئية إلى الجمهور، مع التركيز على حماية تراثنا الطبيعي.

تولّيت إدارة وحدة التراث الطبيعي بمكتبة الإسكندرية، وشاركت في مشروعات قومية كبرى لتوثيق الحدائق النباتية والمحميات الطبيعية والمتحف الزراعي. ومن أبرز مؤلفاتي: «نباتات مصر القديمة» وكتاب «في المتحف الزراعي».


بالحديث عن كتاب «شهادة عبور»، الذي يُعد توثيقًا لما وصفته بأنه «أول حرب في العصر الحديث»، وبأنها كانت في تلك المرحلة «الانتحار بعينه»، حدّثنا عن ظروف نشأة هذا المؤلف، ولماذا اخترته، وقررت ترسيخ فكرة إقدام المصريين على الحرب (للنصر أو الإبادة) دون أدنى احتمال للهزيمة؟


يمكنني القول إن «شهادة عبور» لم يأتِ لمجرد سرد وقائع عسكرية، بل نشأ من إيماني العميق بأن حرب أكتوبر كانت حالة استثنائية من «الجنون والتهور واللامنطق»، وتجسيدًا فعليًا لـ«الانتحار بعينه» في ظل موازين القوى العالمية آنذاك.

ويمكن تلخيص الأسباب والدوافع التي جعلتني أرسّخ لهذه الفكرة في الآتي:

توثيق “أول حروب العصر الحديث”: اخترت هذا الوصف لأن الحرب اندلعت في ظل نظام عالمي مستقر تقوده قوتان عظميان (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي)، وهو وضع لم يكن يسمح بخلخلة أي واقع قائم، مما جعل استعادة الأرض المسلوبة عسكريًا ضربًا من المستحيل.

تحدّي “المستحيلات الأربعة”: قررت الكتابة لترسيخ كيف نجح المصريون في تحدّي الجغرافيا، والتاريخ، والمنطق، والقوى العظمى؛ إذ كان علينا عبور ممر مائي يراقبنا العدو من جانبه، ويتحصّن خلف “خط بارليف المنيع” والساتر الترابي الشاهق.

فلسفة “النصر أو الإبادة”: حرصت على إبراز هذه الروح لأنها كانت الدافع الحقيقي للعبور؛ فقد كنا ندرك تمامًا أن الخيارات تنحصر في «أن نموت وننتصر، أو أن نُباد ونفنى»، أما الهزيمة فلم تكن خيارًا مطروحًا على الإطلاق. وقد أردت أن أوضح للعالم أن المصري مستعد للتضحية بنفسه من أجل استعادة ذرة رمل واحدة من وطنه.

إبراز دور البطولات الفردية: نشأ هذا الكتاب لتوثيق البطولات الأسطورية التي قام بها الضباط والجنود، والتي لولاها لتغيّرت نتائج المعارك. فبينما يركّز كثيرون على التخطيط الاستراتيجي، اخترت أن تُخلّد صفحات كتابي ملاحم هؤلاء الرجال الذين جعلوا من حرب أكتوبر معجزة في زمن انتهت فيه المعجزات.


ومن الكتابة عن مصر الحديثة إلى الحديث عن مصر في عصور بائدة، أو بالأحرى عصور ما قبل العصور، اخترت العودة إلى الماضي السحيق… لماذا؟ ولماذا وقع اختيارك تحديدًا على الكائنات الحاكمة في تلك الفترات دون الإنسان وحكمه؟


لم تكن عودتي بالزمن إلى الوراء مجرد رحلة تاريخية، بل محاولة للكشف عن وجه آخر لمصر قد نكون نسيناه أو لم نعرفه من قبل.
ولذلك دفعني قلمي إلى الكتابة عن «عصور ما قبل العصور» وعن الكائنات الحاكمة بدلًا من الإنسان.

الكشف عن تاريخ أضخم وأقدم: لقد اعتدنا التغنّي بعمران مصر وحضارتها التي تمتد لآلاف السنين، غير أن تحت رمالها الذهبية تاريخًا أضخم بكثير يُقاس بمئات ملايين السنين. أردت أن أبيّن أن تاريخ هذه البقعة المباركة لم يبدأ قبل سبعة آلاف عام فحسب، بل إنها موطن لعظمة بيولوجية أسطورية سبقت وجود البشرية بمدد سحيقة.

عظمة مصر «أرض العمالقة القديمة»: اخترت الحديث عن الكائنات الحاكمة في تلك الحقبة لأن مصر كانت موطنًا لأشرس وأضخم الكائنات التي عاشت على الكوكب، مثل ديناصورات العصر الطباشيري، والثدييات العملاقة في حقبة الباليوجين. فقد كانت هذه المخلوقات سيدة المشهد قبل أن يخطو الفراعنة خطوتهم الأولى، وهي التي منحت مصر لقبها المستحق: «أرض العمالقة القديمة».

توثيق حقائق علمية استثنائية: أردت أن أوضح أن وجود «ديناصورات مصرية» ليس ضربًا من الخيال، بل حقيقة علمية موثقة؛ فمصر تمتلك سجلًا تطوريًا فريدًا، إذ كانت مهدًا لميلاد الأفيال الحديثة، وموطنًا لأقدم حفريات أسلاف القرود، وشاهدة على انتقال الحيتان المذهل من اليابسة إلى البحر.

إبراز المكانة العالمية للتاريخ الطبيعي المصري: إن كل قطعة حفرية نكتشفها تغيّر فهمنا لمكانة مصر في سياق التاريخ الطبيعي العالمي. فمصر لم تكن مجرد موطن لحضارة بشرية عظيمة، بل كانت وما تزال أرضًا استثنائية بكل المقاييس، قدّمت للعالم أدلة حيّة على تطور الحياة عبر العصور.

لقد أردت من خلال هذا المؤلف أن أصطحب القارئ في رحلة إلى «مصر التي لم يعرفها من قبل»، حيث كانت الغابات والمستنقعات والمخلوقات الأسطورية هي سيدة المشهد.


يغلب على طابع كتاباتك التوثيق مع اختلاف الفترات… ما الفترة التي ترى أنها لم تنل حقها من التوثيق؟ وهل تفكر جديًا في إنتاج مؤلَّف يؤرخ لها؟


صدقتِ فراستك، فأنا أعدّ نفسي باحثًا ومؤلفًا يضع التوثيق في صميم رسالته. ويمكنني الإجابة عن هذا السؤال من خلال محورين أساسيين:

أولًا: على مستوى عصور ما قبل الوجود البشري، أرى أن هناك فجوة معرفية كبيرة لدى الجمهور حول تاريخ كوكبنا السحيق؛ لذا ينصبّ تفكيري حاليًا على تأريخ أهم الأحداث الجيولوجية والمناخية والبيئية والبيولوجية الكبرى التي مرّ بها كوكب الأرض منذ نشأته في المجموعة الشمسية.

أطمح إلى توثيق التحولات الكبرى التي أسهمت في تشكيل الأرض حتى بلغت صورتها الراهنة، «كوكبنا الأخضر»، أو كما يطلق عليه رواد الفضاء «الكوكب الأزرق».

ويأتي هذا التوجّه استكمالًا لما بدأته في توثيق «عصور ما قبل العصور» في مصر، حيث كانت الأرض مسرحًا لحياة بيولوجية هائلة سبقت ظهور الإنسان بمئات ملايين السنين.

ثانيًا: على مستوى التاريخ العسكري والوطني الحديث، أرى أننا بحاجة ماسّة إلى استعادة ذاكرتنا الوطنية وتوثيق تلك الحرب التي سقطت أحيانًا من صفحات الوعي الشعبي، وهي الفترة الممتدة ما بين عامي 1967 و1973، والمتمثلة في «حرب الاستنزاف».

طموحي هو استكمال توثيق بطولات أبناء مصر في هذه المرحلة التي لا تقل بطولةً ومجدًا وشرفًا عن نصر أكتوبر. فقد كانت حرب الاستنزاف التمهيد الحقيقي الذي كسر حاجز الخوف والوهم، وأثبت أن الجندي المصري قادر على قهر «المستحيلات» حتى قبل العبور الكبير.


في الختام، أتوجه بخالص الشكر والتقدير على وقتكم، وعلى ما تفضلتم به من حديث ثري، متمنيًا لكم دوام التوفيق، وأن ينفع الله بكم وبعلمكم

زر الذهاب إلى الأعلى