
من فات قديمه… تاه
حوار: شيماء الشواربي
هو كاتب وباحث، شغوف بما يعمل، ويقوده إلهامه العميق إلى الأمام. عشق مصر بحق، وأيقن أن مستقبلها، كي يكون أفضل، لا بد أن يمر عبر التبحّر في ماضيها حتى أعمق نقاطه، مؤمنًا بأن هذا البئر لا ينضب مهما أُخذ منه.
أتشرّف اليوم بمحاورة الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية. أهلًا بحضرتك، ونبدأ حوارنا بالتعريف بشخصكم الكريم، وخبراتكم، ومسيرتكم المهنية.
د. حسين عبد البصير:
أنا دكتور حسين عبد البصير، عالم آثار وكاتب وروائي مصري، متخصص في علم المصريات، وباحث في الحضارة المصرية القديمة، وأعمل أثريًا بالمجلس الأعلى للآثار بوزارة السياحة والآثار، إلى جانب عملي مديرًا لمتحف الآثار بمكتبة الإسكندرية.
تشرفت بالعمل في عدد من المواقع الأثرية المهمة داخل مصر، كما شاركت في بعثات ومشروعات بحثية دولية. وشغلت مناصب علمية وإدارية في المتحف القومي للحضارة المصرية، والمتحف المصري الكبير، ومنطقة أهرامات الجيزة، إضافة إلى العمل مع منظمات دولية، من بينها اليونسكو، وفي مجالات النشر العلمي.
كما حصلت على عدد من التكريمات الدولية، من بينها تكريم المعهد الألماني للآثار بالقاهرة، تقديرًا لدوري في نشر الوعي بالتراث الإنساني والحضاري لمصر القديمة. وإلى جانب العمل الأثري والبحث العلمي، أمارس الكتابة الأدبية والتبسيط العلمي، بهدف ربط الجمهور العام بتاريخهم الحقيقي، بعيدًا عن التشويه أو الأسطرة.
تأثرت مؤلفاتك بالحضارة المصرية القديمة، ولا سيما تفاصيلها الدقيقة التي لا يعرفها كثيرون، وقدّمتها برؤيتك الخاصة… حدّثنا عن مصدر هذا الإلهام وسر التخصص في التفاصيل؟
مصدر الإلهام الأول هو إيماني العميق بأن الحضارة المصرية القديمة لم تُقدَّم بعد بالصورة التي تستحقها. فهناك فجوة كبيرة بين ما هو معروف علميًا داخل الأوساط الأكاديمية، وما يصل إلى القارئ العادي. شغفي بالتفاصيل نابع من قناعتي بأن التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف روح الحضارة، لا الأحداث الكبرى وحدها.
النصوص، والنقوش، والطقوس اليومية، والعلاقات الإنسانية، وحتى الصمت بين السطور، كلها عناصر تصنع التاريخ الحقيقي. أما التخصص، فهو ثمرة سنوات طويلة من الدراسة الميدانية والبحث، ومحاولة قراءة النص الأثري قراءة إنسانية غير جامدة.
في معرض الكتاب هذا العام قدّمت مؤلَّفين، دعنا نبدأ بكتاب: أنبياء الله ومصر القديمة. حدّثنا عنه.
جاء هذا الكتاب ردًا علميًا هادئًا على موجة من الخلط، المتعمّد أو غير المتعمّد، بين التاريخ المصري القديم والقصص الدينية، من دون سند أثري. حاولت من خلاله وضع الأمور في سياقها الصحيح، والتفريق بين الإيمان الديني الذي نحترمه جميعًا، وبين البحث التاريخي القائم على الأدلة والنصوص والآثار.
الكتاب لا يصطدم مع الدين، بل يقدّره ويحميه من التوظيف الخاطئ، ويمنع استخدامه كأداة لإلغاء حضارة كاملة أو تشويهها.
كيف ترى ربط البعض بين تاريخ مصر القديمة والأديان؟ وكيف فند مؤلَّفك ما يُروَّج من مغالطات في هذا السياق؟
ربط التاريخ بالدين يصبح خطرًا حين يتحول إلى قراءة أحادية تُقصي العلم والأثر والنص التاريخي. المشكلة ليست في الإيمان ذاته، بل في إسقاط تصورات دينية لاحقة على عصور أقدم منها بآلاف السنين.
في الكتاب، فندت هذه الفكرة من خلال العودة إلى النصوص المصرية الأصلية، والتسلسل الزمني، والدليل الأثري الصريح، وأوضحت أن الحضارة المصرية كانت تمتلك منظومة فكرية ودينية مستقلة ومتطورة، ولا يمكن اختزالها أو اختطافها لخدمة سرديات أيديولوجية حديثة.
من التاريخ وربطه بالأديان، ننتقل إلى الحب عند الملوك والملكات… حدّثنا عن كتابك: إيزيس.. قصة حب فرعونية.
هذه الرواية محاولة لإعادة الاعتبار للبعد الإنساني في الحضارة المصرية القديمة. فهي تتناول قصة حب، بما تحمله من مشاعر الخيانة والوفاء، والصراع بين العاطفة والسلطة، والحب الذي قد نعثر عليه متأخرًا في حياتنا.
جاءت الفكرة من رغبتي في كسر الصورة النمطية عن المصري القديم بوصفه منشغلًا فقط بالموت والطقوس. فالحياة آنذاك كانت مليئة بالمشاعر والصراعات الإنسانية. كان هناك دائمًا صراع بين الحب والحكم، بين القلب والعرش، والتاريخ حافل بأمثلة لملوك وملكات دفعوا ثمن اختياراتهم الإنسانية. وتُعد إيزيس نموذجًا للمرأة القوية التي جمعت بين الحب والسلطة، دون أن تتخلى عن إنسانيتها.
ما الكتاب الذي لم تكتبه بعد، ويُعد بالنسبة لك حلمًا تتمنى تحقيقه؟
هناك كتاب أحلم بكتابته منذ سنوات، وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والفكر والحضارة. أحكي فيه رحلتي مع علم الآثار، لا من زاوية مهنية فقط، بل من منظور إنساني وفكري. كتاب يتناول الشغف، والصراع مع الخرافة، ومعارك الوعي، وثمن الدفاع عن الحقيقة العلمية في زمن الضجيج. أراه أكثر كتبي صدقًا، وربما أصعبها، لكنه حلم مؤجَّل أعمل عليه بهدوء.
وفي الختام، أتوجّه بالشكر والتقدير للدكتور حسين عبد البصير على إتاحة هذا الوقت، وتقديم نموذج مثقف يدرك قيمة ما تمتلكه هذه البلاد من إرث حضاري، ويعي أهمية ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتقديمه للجمهور بوعي ومعرفة، بما يرسّخ تميّز مصر وتفرّد تاريخها بين حضارات العالم.