طلاسم

الرجل النحيل بقلم: محمد جمال

الرجل النحيل

أن تطارد مخلوقا الجميع ينكر وجوده هو أمر صعب و الأصعب حين تتيقن أنه موجود و حين تدرك أنه يعلم بمطاردتك له …

إسمي هو كريج عمري حوالي الستة و الثلاثون عاما أعمل في مصنع و هواتي هي صيد الحيوانات …من علمني الصيد كان والدي حينما كنت في الثالثة عشرة من العمر و هذا لأن الصيد هواية عائليه نمارسها منذ زمن جدي الأكبر …

و في خلال الثلاثة و العشرون عاما التي مارست فيها الصيد سواءا مع أبي قبل وفاته أو مع أصدقائي أو لوحدي رأيت العديد من الأشياء الغريبه …

شاهدت بعيني جثث حيوانات ممزقة بشكل لا يستطيع فعله مخلوق و سمعت بأذني أصوات غريبه تملأ الغابات ليلا بل و رأيت أشباح الموتي تجول تحت ظلام الغابة في الليل …. لذا ليس من السهل أن يخيفني شيء…

بلدتي … تحيط بها غابة واسعه … و هي الغابة التي أمارس الصيد فيها  و هي الغابة التي شهدت العديد من حالات إختفاء الأطفال … و لكن خلال فترة قريبه زادت حالات إختفاء الأطفال بشكل ملحوظ و لهذا قرر أهالي البلده أن عليهم التوصل لحل فذلك الشخص او الشيء الذي يخطف الاطفال لا يزال في الخارج و سيختطف المزيد و المزيد …

لذا و في ليلة إجتماع رجال البلده في تلك الحانة الرخيصة و بينما تتصارع أصواتهم بحثا عن حل ..

” الشرطه لا تفيدنا بشيء ”

” لذا يجب علينا البحث عن الاطفال بأنفسنا ”

” أقسم أنني لو عرفت من إختطف إبن أختي لأقتله شر قتله ”

و تتصاعد أصوات حناجرهم من كل إتجاه بلا أي نتيجه … لذا قررت أن أتقدم للأمام و أخبرهم أنني رأيته

” لقد رأيت الخاطف ”

لتهدأ أصواتهم و يخيم الصمت علي المكان بينما تتجه جميع نظراتهم إلي منتظرين أن أكمل حديثي

” منذ يومين كنت قد قررت أن أمارس هوايتي المعتادة للصيد في وسط النهار بينما تخترق أشعة الشمس أغصان الأشجار الكبيره … لذا خرجت من منزلي ببندقيتي و إتجهت إلي الغابه …كن أراقب ذلك الغزال الكبيروهو ثابت في مكانه يلتقط بعض أوراق الشجر بفمه بينما أنا مختبيء بين أغصان الأشجار الساقطه و علي وشك إطلاق النار علي قلبه …

لتتحرك أذنيه فجأة و ينظر حوله في خوف قبل أن يركض … أنا كنت صامتا تماما و لم أحدث أي صوت أنا متأكد من ذلك … هناك شيء ما جعل ذلك الغزال يخاف و يهرب …و لكني لم أدري ما هو لذا نهضت لأكمل البحث عن صيد أخر و هنا سمعت الصوت …

صوت الخطوات الطويلة المتباعده و يتبعها صوت خطوات صغيره تتحطم تحت وقعها الغصون …كان الصوت لا يزال بعيدا لكنني قررت تتبعه و كلما تحركت في إتجاه مصدر الصوت كان الصوت يزداد وضوحا و كنت أقترب منه و لكنني بقيت حذرا ….

و هنا و علي بعد حوالي المتر مني و من بين الأشجار إستطعت رؤيته بجسده النحيل و ذراعيه الطويلتين و رأسه الشاحب عديم الوجه و كان يمسك بيد الصبي الصغيره خلفه لم أستطع التعرف علي هوية الصبي فقد كنت مختبئا خشية أن يراني و لكني رأيت ذلك الشيء بوضوح … الرجل النحيل … ذلك الكائن التي كانت أمهاتنا تخيفنا في قصصهم منه دائما قبل النوم … لقد رأيته بأم عيني ”

لم أضع في إعتباري للأسف ردة فعلهم … فقد إشتعل غضبهم بمجرد ان انهيت كلماتي ليسبوني و يرمونني بالكذب و يطردونني من الحانه بدعوي أني أمزح و أكذب في قضية خطيره كاختطاف أطفالهم …

للأسف لم يصدق أحدهم أن ذلك الشيء الذي كانت جداتنا تخبرنا بالكثير من القصص عنه حيث يختطف الأطفال ولا نراهم مجددا هو من إختطف الاطفال …

و لكني لم أيأس … علي أن أثبت لهم أن الرجل النحيل هو من يختطف الأطفال … علي أن أثبت ذلك …

بعد هذه الليلة بيومين و حوالي الساعة الواحده بعد منتصف الليل حدثت حادثة إختطاف جديده لطفل يسكن في نفس الحي الخاص بي و تحديدا علي بعد منزل واحد فقط من منزلي … و لحسن حظي في هذه الليله كنت ساهرا في حديقة منزلي الخلفيه أدخن السجائر تحت ضوء القمر و أتأمل الغابة تحت ضوء القمر و حينها رأيته …

رأيت ذلك الطفل وهو يخرج من باب منزله الخلفي تحت ضوء المصابيح الليليه … كان يتجه للغابة بخطوات بطيئة ناعسه و مهتزه و حينمي إلتفت للغابه رأيت شيئا بين الأشجار … شعرت بالتوتر و بدأ قلبي يشعر بالفزع و عقلي يدخل في دوامة من الدوار و شعرت بالعرق يهرب من مساماتي و ألم في معدتي لأراه أخيرا … ذلك الظل الطويل كان واضحا … إستطعت تمييز ذراعيه الطويلتين و رأسه عديم الوجه وهو يلتفت باتجاهي و كأنه ينظر إلي بعيني ليستا موجودتين ثم يلتفت باتجاه الغابة مجددا و الطفل يسير ورائه ليغرقا في ظلامها …

لم أنتظر … و لن أدع ذلك الشيء يهرب مني … هرعت لداخل المنزل و إرتديت معطفي و أخذت بندقيتي و كشافي القديم و خرجت مجددا … ربما إختفي الطفل ورائه في ظلام الغابه و لكني صياد و يمكنني تتبع أثاره …

إتجهت لأخر مكان رأيت فيه الطفل علي حواف الغابه لأنزل علي ركبتي و أسلط ضوء الكشاف علي الأرض و أبدأ في تتبع أثار خطواته علي أإصان الشجر المحطمه و بدأت بالسير وراء الأثار …

بعد حوالي الخمس دقائق لاحظت شيئا غريبا … الأثار واضحه … أيا كان ما يحدث فذلك الشيء أو الطفل يريد مني أن أتبعه و كأنه يقول لي

” إتبعني ”

أخذت نفسا عميقا و أنا أشعر بالخوف الذي بدأ يقيدني و أنا أفكر في الكلمه …. إخترق الفزع قلبي و لكن رغبتي في إثبات وجوده جعلتني أكمل …

و لكن كل خطوه أخذها وراء ذلك الشيء جعلتني أدرك أنني أتجه أكثر و أكثر لأعماق الغابه …

” لماذا يجعلني أتبعه ؟ ”

سألت ذلك السؤال لأدرك هدفه أخيرا

” إلا إذا … عثر علي كوخي !! ”

تسارعت خطواتي و بدأت في الركض وراء الأثار و مع كل خطوه تأكد أثاره أني متجه الي كوخ جدي القديم الذي كان يستخدمه للصيد في وسط الغابه … لذا يجب علي أن أسبقه للكوخ …

ركضت … ركضت بأقصي سرعة لي لأصل للكوخ قبله ووصلت… كان المكان خاويا و لا أثر له بعد

” حمدا لله ”

و لكن لم يكن هناك وقت للإطمنان … فذلك الشيء قادم الي هنا و عيل التخلص منه الأن … لذا دخلت الكوخ و جهزت بندقيتي و إختبئت في ظلام الكوخ أسفل نفاذته و إنتظرت … إنتظرت الي أن أسمع صوت خطواته …

” لا يمكن أن أسمح لذك الشيء بتخريب كل شيء ! ”

إخترق إذني صوت الحركة القادم من الغابه لأستعد لأطلاق النار … نهضت لأقف أمام النافذه و اوجه ضوء كشافي في إتجاه الحركه لأراه يقف بين الأشجار و كأنه يراقبني … و رغم انه لم يمتلك وجها إلا أني شعرت بغضبه و حقده … أطلقت النار عليه و لكنه اختفي في ثوان … حركت ضوء الكشاف يمنة و يسارا بحثا عنه بين الأشجار و لكن لا أثر …

سمعت صوتا خلفي في الكوخ ليسيطر الفزع علي جسدي لألتفت …ثلاثة ثوان فقط هو ما إحتاجها ذلك الشيء لتمسك بي يده الطويله من خلال النافذه و يسحبني ويرميني خارج الكوخ…

كنت ملقي علي ظهري فوق الأرض حاولت النهوض و لكن لم أستطع و كأن قوة ما تقيدني و تمنعني من الحركه …كل ما إستطعت تحريكه من جسدي كان رأسي لأرفعه و أشاهد ذلك الشيء وهو يدخل الكوخ لأصرخ فيه بخوف…

” أرجوك لا … سأعطيك أي شيء و لكن لا تفعل … أرجوك !! ”

فشعرت بقوة تمسك برأسي و تصدمها بالأرض لتثبتها و لا أقدر علي تحريكها مجددا … و لكني كنت أستطيع سماع ما يحدث …

إستطعت صماخ صوت خطواته وهو يدخل الكوخ و صوته وهو يمسك بمقبض باب المخبأ السري المعدني ويرفعه وصوته وهو يخرج الأطفال من ذلك المخبأ …

و لكني إستطعت سماع صوت خطوات أخري قادمة من بين الأشجار حولي … خطوات صغيره تقتبرب مني … خطوات لطفل لصغير وقف بجوار رأسي لينزل علي ركبتيه و يهمس في أذني

” إنه يقول لك أن لك مكانا خاصا في الجحيم ”

ثم سمعت خطوات الأطفال وهو يخرجون و يركضون خارج الكوخ من حولي و لكني إستطعت تمييز خطوات ذلك الشيء من بينهم وهو يقترب مني … وضع أصابعه الطويلة حول رقبتي و رفعني بيده النحيله و قربني من رأسه عديم الوجه …و لكني شعرب بحقده و غضبه رغم ذلك لأري ذلك الشق العرضي وهو يظهر كفم يتوسع شيئا فشيئا و يتحول لحفرة كبيرة في رأسه … و أخر ما أستطيع تذكره مشهد فمه المرعب وهو يدخلني بداخله …

إستيقظت صباح اليوم التالي لأجد نفسي مقيدا بعمود كهرباء و حولي الأطفال و أهاليهم وه ويصرخون بغضب و الشرطة بينهم تحاول منعهم من إلحاق الأذي بي … لا ألومهم ففي النهاية أنا من إختطفت أطفالهم لأبيعهم لعصابات التجارة بالأعضاء ….

حاولت إخبار المحققين و القاضي بما حدث بأن ذلك الرجل النحيل لا يزال بالخارج و لكن لا أحد يصدقني … فلا أحد يصدق خاطف أطفال مجنون مما يجعلني أشك فيما حدث في تلك الليله …

و لكن شكي ذلك غادرني نهائيا ليلة البارحه حينما نظرت من نافذة غرفتي الصغيره في مشفي الأمراض العقليه لأري ذلك الطفل تحت ضوء العمود الليلي وهو ينظر إلي بعيناه السوداوين بالكامل و بجواره كان يقف ذلك الشيء … الرجل النحيل … و رغم عدم إمتلاكه لوجه إلا أنني شعرت بابتسامته المخيفه ….

زر الذهاب إلى الأعلى