لماذا لم تعد أفلام الرعب مرعبة؟

دعنا نتفق من البداية عن نسبية و”مطاطية” مفهوم الرعب عند المُتَلقي؛ فمنهم من يستمتع بالرعب المقروء دون المعروض، ومنهم من يستمتع بتيمات معينة، ومنهم من يربط الفزع بأوقات معينة مثل أعياد الهالويين وغيرها..
وهناك نوع (أزعم أنني أنتمي إليه) يربط الرعب بالحالة المزاجية والأجواء المحيطة به، فمثلًا حين تشاهد فيلمًا مُرعبًا في شاليه ساحلي منعزل عن العمران، فهي تجربة مختلفة تمامًا لو كنت تشاهد نفس الفيلم في سينما “جنينة مول” حيث صراخ الأطفال ورائحة الفشار بالجبنة وثرثرة الأمهات.
ولكن ما يتفق عليه كل جمهور الرعب هو خفوت بريقه، سواءً على صعيد الروايات عربيًا وعالميًا، أو على صعيد السينما عالميًا فقط.. فمصر لم تشهد تجربة فيلم رعب حقيقي؛ إلا لو اعتبرتم التعويذة وكامب والإنس والجن أفلامًا غير كوميدية!
1- لماذا نجح الرعب من البداية؟
إلى جانب القراءة النقدية للحبكات، توجد زاوية بحثية تتعلق باستجابة المشاهد للخوف. وهنا من المهم التمييز بين رأي الكاتب في الفيلم وبين النتائج العلمية التي يمكن نسبتها إلى دراسة محددة.
في دراسة عرضها مختبر أنظمة الانفعال بجامعة توركو، شاهد 37 مشاركًا فيلمين من الرعب أثناء قياس نشاط الدماغ بالرنين المغناطيسي. ارتبطت مشاهد الفزع المفاجئ والتشويق المستمر بأنماط نشاط مختلفة؛ وهذا لا يعني أن الدماغ عاجز عن التمييز بين الخيال والواقع، أو أن الاستجابة محصورة في جزء واحد.
قد يشعر المشاهد بالخوف والإثارة مع معرفته أن القصة خيالية، وقد يجد في انتهاء الفيلم شعورًا بالارتياح. لكن ذلك ليس استجابة مضمونة عند الجميع، ولا يثبت حدوث اندفاع محدد من الأدرينالين لدى كل مشاهد.
أتراه سببًا غريبًا؟ انتظر حتى تعرف إجابة معظم الرجال حين سئلوا عن سبب حبهم لأفلام الرعب: “هذه النوعية من الأفلام تجعل النساء تعانقنا بحثًا عن الأمان.”
وفي رأي الكاتب، قد يضعف تأثير الفيلم عندما تتكرر حبكاته أو لا تقنعه القصة والمؤثرات والأداء؛ وقد يحل الضحك محل الفزع. هذا حكم نقدي على التجربة الفنية، وليس تشخيصًا لطريقة عمل دماغ كل مشاهد.
2- حبكات محدودة:
أتذكر بيت الرعب في مدينة الملاهي؟
كان في الماضي مكانًا مخيفًا، حيث تظهر لك المسوخ تمد يدها عليك، ولكن حين زاد وعيك بكواليس بيت الرعب أدركت أن هذا المسخ مجرد موظف بائس يقضي ثماني ساعات من يومه ليمازح الأطفال ويصرخ في وجوههم “عاوووو”، ويعود لبيته ليواجه فزع الحياة الحقيقي.
نفس الأمر ينطبق على أفلام الرعب، نعلم أن معظم كُتَّاب الرعب الآن مجرد موظفين “غلابة”، يريدون عمل بعض الـ”بِخْ”.. ويحلمون ببيع فيلم أو رواية.
كما ذكرنا في ختام الفقرة السابقة، فإن حبكات الرعب تحولت من أحداث “مخيفة” لمجرد كليشيهات مضحكة، تتناولها الكوميكس والميمز بمنتهى الهزلية، مثل كليشية الدمية التي تدب فيها الحياة، أو المنزل المهجور الذي تصمم الأسرة على المكوث فيه، أو الطفل الذي يرتكب الفظائع بمنتهى البراءة، أو مجموعة المراهقين الذين يحلون في معسكر أو فندق معين، كلها مكررة ومحفوظة.
3- تحدي مع المشاهد:
مع تقدم الزمن أصبح الضغط على أعمال الرعب أكثر من الماضي، فهي أعمال تتحدى المشاهد على طريقة الفنان أحمد ماهر: “لو راجل متخافش!
فأصبح المشاهد يتعامل مع هذه الأفلام بشيء من التحدي، ليجد نفسه في النهاية حافظًا نقلات الكاميرا السريعة، و”الإنذار المزيف” كالفزع من القطة، تجده محبطًا من نسبة الدموية التي نزلت عن توقعاته.
فمؤخرًا أصبحت العلاقة بين مشاهد الرعب وصانعه كقطين بائسين يرفع كلًا منهما مخلبه في وجه الآخر صارخًا “عاركني” في حين أن كلاهما يريد عملًا جيدًا.
لذلك لاقت سلسلة أفلام الرعب التركية التي تتحدث عن الجن نجاحًا هائلًا، وكذلك فعلت سلسلة أخرى أمريكية صورت أفلامها بتقنيات بدائية كما لو كانت كاميرات هواتف، وادعت أن هذا الفيلم حقيقي لفترة حتى انكشف الأمر (للأسف لا يحضرني اسم أي من السلسلتين، يبدو أن ما قد يرعبني حقًا هو النسيان).
نجحت هذه الأفلام بسبب الحبكة الجديدة بالطبع، ولكن السبب الرئيسي لنجاحها هي أنها رفعت هذا الضغط عن نفسها، وأنزلت مخالبها قليلًا من أمام المشاهد.
4- ودنك منين؟:
في النهاية العملية لا تتطلب مجهودًا عظيمًا، المؤثرات مهمة والتطور التقني عظيم، لكنه مجرد “سلاطات” بجوار كيلوجرامات من الكباب، يكفي دراسة بسيطة لعلم النفس، مع قصة محكمة، ودع المشاهد يكمل لك اللوحة، كلما كنت واقعيًا كلما شعر القارئ أن الخطر أقرب.
استفد من تجربة :ألفريد هيتشكوك” في تصدير الرعب من الشخصيات الودودة، أو من “ستيفن كينج” حين جعل الرعب يأتي وسط قصة أصلية غير مدفوعة دفعًا نحو الفزع.
أو استفد من تجربة كاتب المقال الشخصية، والذي وجد الرعب في كل شيء حوله باستثناء أفلام وكتب الرعب، واعلم أن الحياة غير عادلة، حين يصبح التوك شو مرعبًا أكثر من “the conjuring”، فتأكد أنها غير عادلة.
وللتوسع في النقاش عن التجربة المصرية، يمكنك قراءة قراءة في تجربة محمد شبل وسينما الرعب المصرية.
المراجع: مختبر أنظمة الانفعال بجامعة توركو، مراجعة علم النفس والبيولوجيا العصبية لأفلام الرعب.