ثقافة وفنون

كيف بدأ المقلب؟

كيف بدأ المقلب؟
“لا شيء أفضل من ردة الفعل الأولى..”

هذه الجملة التي يعتبرها بعض المخرجون مبدأً عامًا للتعامل مع الممثلين، واستخراج أول أداء تمثيلي منهم باعتباره الأفضل والأكثر عفوية، دون تكلف قد يخل بالدور.. وقد كان هذا نفس المبدأ الذي اعتمدت عليه برامج المقالب التي بدأت منذ حوالي سبعين عامًا..

 بدأت برامج “المقالب” بفكرة بسيطة في أربعينيات القرن الماضي عبر أثير الراديو من خلال برنامج The candid microphone، والذي سرعان ما تطور ليظهر النسخة الأشهر والأكثر عالمية من برامج الكاميرا الخفية والمقالب، وهو candid camera الذي حقق أعلى نسبة مشاهدات في العالم، واستمر عرضه حتى سنوات قليلة ماضية، وتحديدًا في 2014.

 تم تقليد Candid camera في كل بلدان العالم تقريبًا، كان هو الرهان الذي ينتصر دائمًا، الرهان على ردود أفعال الناس العفوية، وعمل بعض “المقالب” في أشخاص عاديين لا نعرفهم، ومتابعة ردودهم حين يتم وضعهم في مواقف مصممة خصيصًا لإزعاجهم، والذي كان كذلك إلهامًا لعمل سينمائي عظيم وهو The Truman show الذي كان قائمًا على فكرة محاكاة المواقف بالأساس.

 أما على المستوى المحلي فعلى مدار عقود ارتبط شهر رمضان ببرامج المقالب، والتي زادت شعبيتها مع الوقت حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من طقوس الشهر في الوطن العربي بأسره.. وقد تطورت مؤخرًا من كونها مجرد برنامج “منخفض الميزانية” لبرامج ذات إنتاج يقارب حلقات المسلسلات إن لم يكن يفوقها، ويعتمد على استضافة النجوم والمشاهير من ذوي الأجور الفلكية..

 حين تتحدث عن برامج المقالب سيخطر على بالك أسماءٍ كثيرة، ليس من بينها “فؤاد المهندس” بالطبع، لكن المدهش أن أسطورة الكوميديا هو أول من قام بتقديم برامج المقالب في ثمانينيات القرن الماضي، وكان محتوى البرنامج يعتمد على مقدمة كوميدية من “المهندس” بعدها يتم عرض المقلب الذي ينفذه الممثل “إسماعيل يسري” في الضحايا، وقتها كان الضحايا أشخاص عاديين.

 لكن بالطبع كأي محاولة أولى في محتوى جديد، لم يلقَ البرنامج الرواج المطلوب، اكتفى بحصد بعض الابتسامات، حتى جاء خفيف الظل “إبراهيم نصر” لينقل الأمور لأبعادٍ أخرى تمامًا، ويؤسس برنامج “الكاميرا الخفية” ويبدع فيه لدرجة تصل إلى ابتكار شخصيات متعددة ومعروفة، كان أشهرها “زكية زكريا” التي احتلت مكانًا عظيمًا في قلوب الجمهور فترة عرض البرنامج، بطريقتها الكوميدية في الحديث ومساحيق التجميل التي تضعها، وكلامها المستفز الذي يخرج من ضحايا المقالب (أو الممثلين الذين يقومون بدور ضحايا المقالب) أفضل رد فعل ممكن..

 نجاح شخصية “زكية زكريا” لم يتوقف عند حافة الموسم الرمضاني، بل قفز إلى قاعات السينما من خلال فيلم “زكية زكريا في البرلمان”، والذي يمكن توقع من اسمه أنه ليس أفضل فيلم كوميدي يمكن رؤيته، لكنه على المستوى الجماهيري كان ناجحًا.

 تخفت الأضواء من حول “إبراهيم نصر” بالتدريج، بعد أن اعتاد الناس لزماته، وطريقته، وأصبحت مناطق الضحك من شخصيته قليلة؛ لا لسوء رؤيته الكوميدية، ولا لقلة حضوره.. ولكن لأن المشاهد يكبر مع المحتوى، فإن لم تسبقه بخطوة بحث عن غيرك، و”غيرك” هنا كان حسين المملوك ومنير مكرم وبعض الممثلين الشباب –آنذاك- مثل طلعت زكريا وغيره..

 تميز منير والمملوك بأن ملامحهما عادية جدًا، عكس شخصيات إبراهيم نصر الكاريكتورية، لذلك كانت قابلية تصديق الجمهور لهذه المقالب أعلى بكثير من إبراهيم نصر، حتى وإن كنت مؤمنًا بشكل شخصي أن برامج المقالب الحقيقية التي تعتمد على ردود أفعال مواطنين حقيقيين وليس “مجاميع تمثيل” هي أعمال معدودة، وأغلبها فشل دون أن يصل إلى الجمهور.

 منذ ذلك الحين وقد ظهر محتوى يعتمد على عمل المواقف المحرجة في مشاهير المجتمع؛ من نجوم الفن والرياضة والإعلام والسياسة في بعض الأحيان؛ فظهر “حسين الإمام” رائدًا لهذا المحتوى في الوطن العربي من خلال برامجه المختلفة، والتي كان أشهرها “حسين على الهوا”.. وتألق فيها “عمرو رمزي” من خلال برنامج مقالب الفنانين الأفضل في رأيي “حيلهم بينهم” والذي أظنه واقعيًا، ويعتمد على التقليل المزيف من أعمال الفنان أكثر من شخصه، وهو ما كان يقدره المشاهد بداخلي.

 بعد “حيلهم بينهم” بدأت الأمور في الخروج عن السيطرة، فظهر “رامز جلال” وبرنامجه الذي يثير الجدل كل سنة من حيث عدد المشاهدات ومن حيث الخلاف على كونه مفبركًا أم حقيقيًا، وتبعه برامج لبعض النجوم مثل هاني رمزي ومحمد فؤاد، وقد دخلت برامج المقالب في مرحلة جديدة لم تعد مبرة كسابقيها.

 ظل الوضع رتيبًا حتى ظهرت محاولات شبابية جميلة مثل “المهيسون” و”كريزي تاكسي” وعلى الرغم من الخلاف على مدى حقيقة هذه المقالب، إلا أن العودة لمقدم برامج مغمور وتأدية المقلب على “مواطنين” عاديين ليسوا مشاهير، أثبت نجاحه مجددًا.

اقرأ أيضاً

العالم يحتفل بالتراث اللامادي .. ووزارة الثقافة تشكل لجنة لحمايته

المتحف المصري يقيم محاضرة افتراضية حول فوتوغرافية الإثار المصرية

عبدالرحمن جاويش

كاتب وروائي شاب من مواليد محافظة الشرقية سنة 1995.. تخرج من كلية الهندسة (قسم الهندسة المدنية)..صدر له عدة رويات منها (النبض صفر،) كتب في بعض الجرائد والمواقع المحلية، وكتب أفكار العديد من الفيديوهات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي.. كما دوَّن العديد من قصص الديستوبيا على صفحته الشخصية على موقع facebook وحازت على الكثير من الإشادات من القراء والكُتَّاب كذلك..
زر الذهاب إلى الأعلى